عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

7

اللباب في علوم الكتاب

يؤمنوا به فإنّما عليك منه البلاغ وليس عليك سوى الإنذار به ، ومثله قوله عزّ وجلّ : لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 3 ] . قوله : « منه » متعلق ب « حرج » . و « من » سببيّة أي حرج بسببه تقول : حرجت منه أي : ضقت بسببه ، ويجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنّه صفة له أي : حرج كائن وصادر منه ، والضّمير في « منه » يجوز أن يعود على الكتاب وهو الظّاهر ، ويجوز أن يعود على الإنزال المدلول عليه ب « أنزل » ، أو على الإنذار ، أو على التّبليغ المدلول عليهما بسياق الكلام ، أو على التّكذيب الّذي تضمنه المعنى ، والنهي في الصّورة للحرج ، والمراد الصّادر منه مبالغة في النّهي عن ذلك كأنّه قيل : لا تتعاطى أسبابا ينشأ عنها حرج ، وهو من باب « لا أرينّك ههنا » ، النهي متوجه على المتكلم والمراد به المخاطب كأنه قال : لا تكن بحضرتي فأراك ومثله : فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها [ طه : 16 ] . قوله : « لِتُنْذِرَ بِهِ » في متعلق هذه « اللّام » ثلاثة أوجه . أحدها : أنّها متعلّقة ب « أنزل » أي : أنزل إليك للإنذار ، وهذا قول الفرّاء « 1 » قال : اللّام في « لتنذر » منظوم بقوله : « أنزل » على التّقديم والتّأخير ، على تقدير : كتاب « أنزل إليك لتنذر به فلا يكن » . وتبعه الزّمخشري « 2 » والحوفيّ ، وأبو البقاء « 3 » على ذلك ، وعلى هذا تكون جملة النّهي معترضة بين العلّة ومعلولها ، وهو الذي عناه الفرّاء بقوله : « على التّقديم والتّأخير » . والثاني : أنّ اللام متعلّقة بما تعلّق به خبر « الكون » إذ التقدير : فلا يكن حرج مستقرا في صدرك لأجل الإنذار . كذا قاله أبو حيّان « 4 » عن ابن الأنباري ، فإنّه قال : « وقال ابن الأنباري : التقدير : فلا يكن في صدرك حرج منه كي تنذر به فجعله متعلقا بما تعلّق به « في صدرك » ، وكذا علّقه به صاحب « النّظم » ، فعلى هذا لا تكون الجملة معترضة » . قال شهاب الدّين « 5 » : الذي نقله الواحديّ عن نصّ ابن الأنباري في ذلك أن « اللّام » متعلّقة ب « الكون » ، وعن صاحب « النّظم » أنّ اللّام بمعنى « أن » وسنأتي بنصّيهما إن شاء اللّه تعالى ، فيجوز أن يكون لهما كلامان . الثالث : أنّها متعلّقة بنفس الكون ، وهو مذهب ابن الأنباريّ والزّمخشريّ ، وصاحب « النّظم » على ما نقله أبو حيّان « 6 » . قال أبو بكر بن الأنباريّ : ويجوز أن تكون اللّام صلة للكون على معنى : « فلا يكن

--> ( 1 ) ينظر : معاني القرآن للفراء 1 / 370 . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 86 . ( 3 ) ينظر : الإملاء 1 / 267 . ( 4 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 267 . ( 5 ) ينظر : الدر المصون 3 / 230 . ( 6 ) ينظر : البحر المحيط 4 / 267 .